فصل: سرية عبد الله بن أنيس

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: عيون الأثر في فنون المغازي والشمائل والسير **


 فضل شهداء أحد

روينا عن ابن إسحاق قال حدثني إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن ابن عباس قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ لما أصيب إخوانكم بأحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر ترد أنهار الجنة وتأكل من ثمارها وتأوي إلى قناديل من ذهب في ظل العرش فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم وحسن مقيلهم قالوا يا ليت إخواننا يعلمون ما صنع الله بنا لئلا يزهدوا في الجهاد ولا ينكلوا عند الحرب ‏"‏‏.‏

فقال الله تبارك وتعالى ‏"‏ فأنا أبلغهم عنكم ‏"‏ فأنزل الله عز وجل على نبيه هذه الآيات ‏"‏ ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء ‏"‏ الآيات‏.‏

وذكر ابن إسحاق هاهنا حدثني الحرث بن فضيل عن محمود بن لبيد عن ابن عباس أنه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ الشهداء على بارق نهر بباب الجنة في قبة خضراء يأتيهم فيها رزقهم بكرة وعشياً ‏"‏‏.‏

قرأته علي السيدة مؤنسة خاتون ابنة السلطان الملك العادل سيف الدين أبي بكر بن أيوب رحم الله سلفها أخبرتك الشيخة أم هانئ عفيفة بنت أحمد بن عبد الله كتابة عن أبي طاهر عبد الواحد بن محمد بن أحمد الصباغ قال أنا أبو نعيم قال أنا أبو علي بن الصواف فثنا أبو جعفر أحمد بن يحيى الحلواني فثنا سعيد بن سليمان فثنا عبد الله بن نمير عن محمد بن إسحاق فذكره‏.‏

 غزوة حمراء الأسد

وهي صبيحة يوم الأحد عند ابن إسحاق لست عشرة مضت من شوال‏.‏

وعند ابن سعد لثمان خلون من شوال من صبيحة أحد والخلاف عندهم في أحد كما سبق‏.‏

قال ابن إسحاق وأذن مؤذن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في الناس بطلب العدو وأذن مؤذنه أن لا يخرج معنا أحد إلا أحد حضر يومنا بالأمس فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام فقال يا رسول الله إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال يا بني إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فهين ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فتخلف على أخواتك فتخلفت عليهن فأذن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فخرج معه وإنما خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مرهباً للعدو ليبلغهم أنه خرج في طلبه ليظنوا به قوة وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى انتهى حمراء الأسد وهي من المدينة على ثمانية أميال واستعمل على المدينة ابن أم مكتوم فيما قال ابن هشام فأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء ثم رجع إلى المدينة وقد مر به كما حدثني عبد الله بن أبي بكر معبد بن أبي معبد الخزاعي وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة نصح رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بتهامة صفقتهم معه لا يخفون عنه شيئاً كان بها ومعبد يومئذ مشرك فقال يا محمد أما والله قد عز علينا ما أصابك في أصحابك ولوددنا أن الله قد عافاك فيهم وكان معبد قد رأى خروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والمسلمين إلى حمراء الأسد ولقي أبا سفيان وكفار قريش بالروحاء فأخبرهم بخروج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في طلبهم ففت ذلك في عضد قريش وقد كانوا أرادوا الرجوع إلى المدينة فكسرهم خروجه صلّى الله عليه وسلّم فتمادوا إلى مكة وظفر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في مخرجه ذلك بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص فأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بضرب عنقه صبراً وهو والد عائشة أم عبد الملك بن مروان‏.‏

وروى أن النبي صلّى الله عليه وسلّم قال وهو بحمراء الأسد حين بلغه أنهم هموا بالرجعة ‏"‏ والذي نفسي بيده لقد سومت لهم حجارة لو صبحوا بها لكانوا كأمس الذاهب ‏"‏ قال ابن هشام ويقال أن زيد بن حارثة وعمار بن ياسر فتلا معاوية بن المغيرة بعد حمراء الأسد كان لجأ إلى عثمان بن عفان فاستأمن له رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأمنه على أنه إن وجد بعد ثلاث قتل فأقام بعد ثلاث وتوارى فبعثهما النبي صلّى الله عليه وسلّم وقال ‏"‏ إنكما ستجدانه بموضع كذا وكذا فوجداه فقتلاه ‏"‏‏.‏

وقال ابن سعد ودعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بلوائه وهو معقود لم يحل فدفعه إلى علي بن أبي طالب ويقال إلى أبي بكر الصديق وخرج وهو مجروح في وجهه ومشجود في جبهته رباعيته قد شظبت وشفته السفلى قد كلمت في باطنها وهو متوهن منكبه يعني الأيمن من ضربة ابن قمئة وركبتاه مجحوشتان وحشد أهل العوالي ونزلوا حيث أتاهم الصريخ وركب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فرسه وخرج الناس معه فبعث ثلاثة نفر من أسلم طليعة في آثار القوم فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد قال وللقوم زجل وهم يأتمرون بالرجوع وصفوان بن أمية ينهاهم عن ذلك فبصروا بالرجلين فعطفوا عليهما فقتلوهما ومضوا ومضى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بأصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار حتى ترى من المكان البعيد‏.‏

وذهب صوت معسكرهم ونيرانهم في كل وجه فكبت الله تبارك وتعالى بذلك عدوهم‏.‏

وكان دليله صلّى الله عليه وسلّم إلى حمراء الأسد ثابت بن الضحاك بن ثعلبة من الخزرج وليس بأخي أبي جبيرة ابن الضحاك ذاك أوسي من بني عبد الأشهل وله حديث في النهي عن المزارعة رواه مسلم ومن الناس من يجعل ذلك الحديث لثابت هذا وليس بشيء‏.‏

 سرية أبي سلمة بن عبد الأسد

روينا عن ابن سعد قال ثم سرية أبي سلمة بن عبد الأسد المخزومي إلى قطن وهو جبل بناحية فيد ماء لبين أسد بن خزيمة في هلال المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهراً وذلك أنه بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن طليحة وسلمة ابني خويلد قد سارا في قومهما ومن أطاعهم يدعونهم إلى حرب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فدعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أبا سلمة وعقد له لواء وبعث معه مائة وخمسين رجلاً من المهاجرين والأنصار وقال سر حتى تنزل أرض بني أسد فأغر عليهم قبل أن تلاقي عليك جموعهم‏.‏

فخرج فأغذ السير ونكب عن سنن الطريق وسبق الأخبار وانتهى إلى أدني قطن فأغار على سرح لهم فضمه رعاء لهم مماليك ثلاثة وأفلت سائرهم فجاءوا جميعهم فحذروهم فتفرقوا في كل ناحية ففرق أبو سلمة أصحابه ثلاث فرق في طلب النعم والشاء فآبوا إليه سالمين قد أصابوا إبلاً وشاءً ولم يلقوا أحداً فانحدر أبو سلمة بذلك كله إلى المدينة‏.‏

 سرية عبد الله بن أنيس

قال ابن سعد ثم سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي بعرنة‏:‏ خرج من المدينة يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس خمسة وثلاثين شهراً من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وذلك أنه بلغ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن سفيان بن خالد الهذلي ثم اللحياني وكان ينزل عرنة وما والاها في ناس من قومه قد جمع الجموع لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم فعبث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عبد الله بن أنيس ليقتله فقال صفه لي يا رسول الله فقال إذا رايته هبته وفرقت منه وذكرت الشيطان قال وكنت لا أهاب الرجال فاستأذنت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن أقوم فأذن لي فأخذت سيفي وخرجت أعتزي إلى خزاعة حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي ووراءه الأحابيش ومن ضوى إليه فعرفته بنعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهبته فرأيتني أقتر عرقاً فقلت صدق الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم فقال من الرجل فقلت رجل من بني خزاعة سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك قال أجل إني لأجمع له فمشيت معه ساعة وحدثته فاستحلى حديثي حتى انتهى إلى خبائه وتفرق عنه أصحابه حتى إذا هدأ الناس وناموا اغتررته فقتلته وأخذت رأسه ثم دخلت غاراً في الجبل وضربت العنكبوت على وجاء الطلب فلم يجدوا شيئاً فانصرفوا راجعين ثم خرجت فكنت أسير الليل وأتوارى بالنهار حتى قدمت المدينة فوجدت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في المسجد فلما رآني قال ‏"‏ أفلح الوجه ‏"‏ قلت أفلح وجهك يا رسول الله فوضعت رأسه بين يديه وأخبرته خبري فدفع إلي عصا فقال ‏"‏ تخصر بهذه في الجنة ‏"‏ فكانت عنده فلما حضرته الوفاة أوصى أهله أن يدرجوها في كفنه ففعلوا وكانت غيبته ثمان عشرة ليلة وقدم يوم السبت لسبع بقين من المحرم‏.‏

وقال ابن عقبة جعلوها في كفنه بين جلده وثيابه‏.‏

وقال موسى بن عقبة أيضاً فزعموا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أخبر بموته قبل قدوم عبد الله ابن أنيس‏.‏

قال ابن هشام وقال عبد الله بن أنيس في ذلك‏:‏ تركت ابن ثور كالحوار وحوله نوائح تفري كل جيب مقدد أقول له والسيف يعجم رأسه أنا ابن أنيس فارساً غير قعدد وقلت له خذها بضربة ماجد حنيف على دين النبي محمد وكنت إذا هم النبي بكافر سبقت إليه باللسان وباليد قوله يعجم رأسه من قولهم فلان يعجم التمرة أي يلوكها ويعضها‏.‏

والقعدد والقعدد الجبان‏.‏

قال ابن عقبة ولا ندري من أين بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عبد الله بن أنيس إلى ابن نبيح أمن المدينة أم من غيرها‏.‏

 بعث الرجيع

وكان في صفر على رأس ستة وثلاثين شهراً من مهاجر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند ابن سعد روينا من طريق البخاري قال حدثين موسى بن إسماعيل فثنا إبراهيم قال أنا ابن شهاب قال أخبرني عمرو بن أسيد بن جارية الثقفي حليف بني زهرة وكان من أصحاب أبي هريرة عن أبي هريرة قال بعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عشرة عيناً وأمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري جد عاصم بن عمر بن الخطاب حتى إذا كانوا بالهدأة بين عسفان ومكة وذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان فنفروا لهم بقريب من مائة رجل رام فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم التمر في منزل نزلوه فقالوا تمر يثرب فاتبعوا آثارهم فلما أحس بهم عاصم وأصحابه لجؤا إلى موضع فأحاط بهم القوم فقالوا انزلوا فأعطوا بأيديكم ولكم العهد والميثاق وأن لا نقتل منكم أحداً‏.‏

فقال عاصم بن ثابت أيها القوم أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر ثم قال اللهم أخبر عنا نبيك فرموهم بالنبل فقتلوا عاصماً ونزل إليه ثلاثة نفر على العهد والميثاق منهم خبيب وزيد بن الدثنة ورجل آخر فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم فربطوهم بها فقال الرجل الثالث هذا أول الغدر والله لا أصحبكم إن لي بهؤلاء أسوة يريد القتلى فجرروه وعالجوه فأبى أن يصحبهم فانطلق بخبيب وزيد بن الدثنة حتى باعوهما بعد وقعة بدر فابتاع بنو الحراث بن عامر بن نوفل خبيباً وكان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر فلبث خبيب عندهم أسيراً حتى أجمعوا قتله فاستعار خبيب من بعض بنات الحرث موسى يستحد بها فأعارته فدرج بني لها وهي غافلة حتى أتاه فوجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده قالت ففزعت فرزعة عرفها خبيب فقال أتخشين أن أقتله ما كنت لأفعل ذلك قالت والله ما رأيت أسيراً خيراً من خبيب والله لقد وجدته يوماً يأكل قطفاً من عنب في يده وإنه لموثق بالحديد وما بمكة من ثمرة وكانت تقول إنه لرزق رزقه الله خبيباً‏.‏

فلما خرجوا به من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب دعوني أصلي ركعتين فتركوه فركع ركعتين وقال والله لولا أن تحسبوا أن ما بي جزع لزدت ثم قال اللهم أحصهم عدداً واقتلهم بدداً ولا تبق منهم أحداً ثم أنشأ يقول‏:‏ فلست أبالي حين أقتل مسلماً على أي شق كان لله مصرعي وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع ثم قام إليه أبو سروعة عقبة بن الحارث فقتله‏.‏

وكان خبيب هو سن لكل مسلم قتل صبراً الصلاة وأخبر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصحابه يوم أصيبوا خبرهم وبعث ناس من قريش إلى عاصم بن ثابت حين حدثوا أنه قتل أن يؤتوا بشيء منه يعرف‏.‏

وكان قتل عظيماً من عظمائهم فبعث الله لعاصم مثل الظلة من الدبر فحمته من رسلهم فلم يقدروا أن يقطعوا منه شيئاً‏.‏

كذا روينا في هذا الخبر من طريق البخاري في جامعه وفيه أن خبيباً هذا قتل الحرث بن عامر خبيب ابن أساف بن عنبة بن عمرو بن خديج بن عامر بن جشم بن الحارث بن الخزرج‏.‏

وخبيب بن عدي لم يشهد بدراً عند أحد من أرباب المغازي‏.‏

وروينا عن ابن إسحاق قال وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة قال وقدم على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد أحد رهط من عضل والقارة فقالوا يا رسول الله إن فينا إسلاماً فابعث معنا نفراً من أصحابك يفقهوننا في الدين ويقرؤوننا القرآن ويعلموننا شرائع الإسلام فبعث معهم نفراً ستة من أصحابه وهم مرثد بن أبي مرثد الغنوي حليف حمزة‏.‏ابن عبد المطلب وخالد بن البكير الليث حليف بني عدي بن كعب وعاصم بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف وحبيب بن عدي أخو بني جحجبا ابن كلفة بن عمرو بن عوف وزيد بن الدثنة أخو بني بياضة وعبد الله بن طارق حليف بني ظفر‏.‏

وأمر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على القوم مرثد بن أبي مرثد الغنوي فخرجوا مع القوم حتى إذا كانوا على الرجيع ماء لهذيل غدروا بهم فاستصرخوا عليهم هذيلاً فلم يرع القوم وهم في رحالهم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم فأخذوا أسيافهم ليقتلوا القوم فقالوا لهم إنا والله لا نريد قتلكم ولكنا نريد أن نصيب بكم شيئاً من أهل مكة ولكم عهد الله وميثاقه أن لا نقتلكم فأبوا فأما مرثد وخالد وعاصم فقالوا والله لا نقبل من مشرك عهداً وقاتلوا حتى قتلوا‏.‏

فلما قتل عاصم أرادت هذيل أخذ رأسه ليبيعوه من سلافة بنت سعد بن شهيد وكانت قد نذرت حين أصاب ابنيها يوم أحد لئن قدرت على رأس عاصم لتشربن فيه الخمر‏.‏

قال أبو جعفر الطبري وجعلت لمن جاءت برأسه مائة ناقة‏.‏

رجع إلى خبر ابن إسحاق‏:‏ فمنعه الدبر فلما حالت بينهم وبينه قالوا دعوه حتى يمسي فنأخذه فبعث الله الوادي فاحتمل عاصماً فذهب به وقد كان عاصم أعطى الله عهداً أن لا يمسه مشرك ولا يمس مشركاً أبداً‏.‏

وأما زيد بن الدثنة وخبيب وابن طارق فلانوا ورقوا ورغبوا في الحيوة فأعطوا بأيديهم فأسروهم ثم خرجوا بهم إلى مكة ليبيعوهم بها حتى إذا كانوا بالظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القرآن ثم أخذ سيفه واستأخر عن القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه فقبر بالظهران يرحمه الله‏.‏

وأما خبيب وزيد فقدموا بهما مكة فباعوهما من قريش بأسيرين من هذيل كانا بمكة فابتاع خبيباً حجير بن أبي إهاب التميمي حليف بني نوفل لعقبة بن الحارث بن عامر ليقتله بأبيه‏.‏

وأما زيد بن الدثنة فابتاعه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه فأخرجه مع مولى له يقال لن نسطاس إلى التنعيم خرج الحرم ليقتله واجتمع رهط من قريش فيهم أبو سفيان بن حرب فقال له أبو سفيان حين قدم ليقتل أنشدك بالله يا زيد أتحب أن محمداً الآن عندنا مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك فقال والله ما أحب أن محمداً الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وإني لجالس في أهلي قال يقول أبو سفيان ما رأيت من الناس أحداً يحب أحداً كحب أصحاب محمد محمداً ثم قتله نسطاس يرحمه الله‏.‏

ورأيت في كتاب ذيل المذيل لأبي جعفر محمد بن جرير الطبري لحسان بن ثابت يرثي أصحاب الرجيع الستة ألا ليتني فيها شهدت ابن طارق وزيداً وما تغني الأماني ومرثدا ودافعت عن حبي خبيب وعاصم وكان شفاءً لو تداركت خالدا وذكر ابن سعد أن البعث كانوا عشرة وذكر الستة الذي ذكرناهم وزاد ومعتب ابن عبيد وهو أخو عبد الله بن طارق لأمه ولم يذكر الباقين‏.‏

وذكر ابن عقبة أيضاً معتب بن عبيد فيهم وذكر أن الذي قيل له أتحب أن محمداً مكانك هو خبيب بن عدي حين رفع على الخشبة فقال لا والله فضحكوا منه‏.‏

قال وقال خبيب اللهم إني لا أجد إلى رسولك رسولاً غيرك فأبلغه مني السلام وزعموا أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال وهو جالس في ذلك اليوم الذي قتلا فيه ‏"‏ وعليكما أو عليك السلام خبيب قتلته قريش ‏"‏ ولا يدرون أذكر زيد بن الدثنة معه أم لا وزعموا أنهم رموا زيد بن الدثنة بالنبل وأرادوا فتنته فلم يزدد إلا إيماناً وتثبيتاً وزعموا أن عمرو بن أمية الضمري دفن خبيباً‏.‏

قال أبو عمر وروى عمرو بن أمية الضمري قال بعثني رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى خبيب بن عدي لأنزله من الخشبة فصعدت خشبته ليلاً فقطعت عنه وألقيته فسمعت وجبة خلفي فالتفت فلم أر شيئاً‏.‏

وقال ابن عقبة واشترك في ابتياع خبيب زعموا أبو إهاب بن عزيز وعكرمة بن أبي جهل والأخنس بن شريق وعبيدة بن حكيم ابن الأوقص وأمية بن أبي عتبة وبنو الحضرمي وصفوان بن أمية بن خلف وهم أبناء من قتل من المشركين يوم بدر ودفعوه إلى عقبة بن الحارث فسجنه في داره الحديث‏.‏

وكان فيما أنزل الله تعالى في المنافقين الذين كانوا يلمزونهم وفيهم من القرآن ‏"‏ ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ‏"‏ إلى أن ذكرهم فقال ‏"‏ ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله ‏"‏ الآية‏.‏

ومما قاله حسان يهجو هذيلاً‏:‏

لعمري لقد شانت هذيل بن مدرك ** أحاديث كانت في خبيب وعاصم

أحاديث لحيان صلوا بقبيحها ** ولحيان ركابون شر الجرائم

هم غدروا يوم الرجيع وأسلمت ** أمانتهم ذا عفة ومكارم

قبيلة ليس الوفاء بهمهم ** وإن ظلموا لم يدفعوا كف ظالم

إذا الناس حلوا بالفضاء رأيتهم ** بمجرى مسيل الماء بين المخارم

محلهم دار البوار ورأيهم ** إذا نابهم أمر كرأي البهائم

الدبر ذكر النحل‏.‏

 قصة بئر معونة

وكان في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد عند ابن إسحاق‏.‏قال وكان من حديثهم كما حدثني أبي إسحاق بن يسار عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث ابن هشام وعبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم وغيرهم من أهل العلم قالوا قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فعرض عليه الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد عن الإسلام وقال يا محمد لو بعثت رجالاً من أصحابك إلى أهل نجد فدعوتهم إلى أمرك رجوت أن يستجيبوا لك فقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ إني أخشى أهل نجد عليهم ‏"‏ قال أبو براء أنا لهم جار فابعثهم فليدعوا الناس إلى أمرك فبعث رسول الله صلّى الله عليه وسلّم المنذر بن عمرو أخي بني ساعدة المعنق ليموت في أربعين وعن غير ابن إسحاق في سبعين رجلاً من أصحابه من خيار المسلمين فساروا حتى نزلوا بئر معونة وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم كلا البلدين منها قريب وهي إلى حرة بني سليم أقرب فلما نزلوها بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى عدو الله عامر بن الطفيل فلما أتاه لم ينظر في كتابه حتى عدا على الرجل فقتله ثم استصرخ عليه بني عامر فأبوا أن يجيبوه إلى ما دعاهم إليه وقالوا لن نخفر أبا براء وقد عقد لهم عقداً وجواراً فاستصرخ عليه قبائل من سليم عصية ورعلاً فأجابوه إلى ذلك ثم خرجوا حتى غشوا القوم فأحاطوا بهم في رحالهم فلما رأوهم أخذوا سيوفهم فقاتلوهم حتى قتلوا آخرهم رحمهم الله إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل يوم الخندق شهيداً رحمه الله‏.‏

وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري ورجل آخر من الأنصار أحد بني عمرو ابن قال ابن إسحاق فلم ينبئهما بمصاب أصحابهما إلا الطير تحوم على العسكر فقالا والله إن لهذه الطير لشأناً فأقبلا ينظران فإذا القوم في دمائهم وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة فقال الأنصاري لعمرو بن أمية ماذا ترى قال نرى أن نلحق برسول الله صلّى الله عليه وسلّم فنخبره الخبر فقال الأنصاري لكني ما كنت لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو ثم قاتل القوم حتى قتل رحمه الله وأخذوا عمرو بن أمية أسيراً فلما أخبرهم أنه من مضر أخذه عامر بن الطفيل وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة زعم أنها كانت على أمه‏.‏

فخرج عمرو بن أمية حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا معه في ظل هو فيه فكان مع العامريين عقد من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجوار لم يعلم به عمرو بن أمية وقد سألهما حين نزلا ممن أنتما فقالا من بني عامر فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أن قد أصاب بهم ثؤرة من بني عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فأخبره الخبر قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ لقد قتلت قتيلين لأدينهما ‏"‏ ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ هذا عمل أبي براء قد كنت لهذا كارهاً متخوفاً ‏"‏ فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه وما أصاب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسببه‏.‏

وقال حسان بن ثابت يحرض بني أبي براء

بني أم البنين ألم يرعكم ** وأنتم من ذوائب أهل نجد

تهكم عامر بأبي براء ** ليخفره وما خطأ كعمد

ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي ** فما أحدثت في الحدثان بعدي

أبوك أبو الحروب أبو براء ** وخالك ماجد حكم بن سعد

أم البنين هي أم أبي البراء من بني عامر بن صعصعة فحمل ربيعة بن أبي براء على عامر بن الطفيل فطعنه بالرمح فوقع في فخذه فأشواه ووقع عن فرسه فقال هذا عمل أبي براء إن أنا مت فدمي لعمي فلا يتبعن به وإن أعش فسأرى رأيي‏.‏

قال أبو عمر ذكر عبد الرزاق عن معمر عن ثمامة بن عبد الله بن أنيس عن أنس بن مالك أن حرام بن ملحان وهو خال أنس طعن يوم بئر معونة في رأسه فتلقى دمه بكفه ثم نضحه على رأسه ووجهه وقال فزت ورب الكعبة‏.‏

وقيل إن حرام بن ملحان ارتث يوم بئر معونة فقال الضحاك بن سفيان الكلابي وكان مسلماً يكتم إسلامه لامرأة من قومه هل لك في رجل إن صح كان نعم المراعي فضمته إليها فعالجته فسمعته يقول‏:‏ أتت عامر ترجوا الهوادة بيننا وهل عامر إلا عدو مداجن إذا ما رجعنا ثم لم تك وقعة بأسيافنا في عامر أو نطاعن فوثبوا عليه فقتلوه والأول أصح‏.‏

وقتل يومئذ عامر بن فهيرة قتله عامر بن الطفيل من طريق يونس بن بكير عن ابن إسحاق عن هشام بن عروة عن أبيه قال لما قدم عامر بن الطفيل على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال له ‏"‏ من الرجل الذي لما قتل رأيته رفع بين السماء والأرض حتى رأيت السماء دونه ثم وضع ‏"‏ فقال له هو عامر بن فهيرة‏.‏

وروى ابن المبارك عن يونس عن ابن شهاب قال زعم عروة بن الزبير أن عامر بن فهيرة قتل يومئذ فلم يوجد جسده حين دفنوا يرون أن الملائكة دفنته رحمه الله والله أعلم بالصواب‏.‏

وممن استشهد يوم بئر معونة عامر بن فهيرة مولى أبي بكر الصديق وهو ابن أربعين سنة قديم الإسلام أسلم قبل أن يدخل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم دار الأرقم بن أبي الأرقم‏.‏

والحكم بن كيسان مولى بني مخزوم‏.‏

والمنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح‏.‏وأبو عبيدة بن عمرو بن محصن‏.‏

والحارث بن الصمة بن عمرو ابنا عتيك بن عمرو بن مبذول‏.‏

وأبي بن معاذ بن أنس بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار وأخوه أنس‏.‏

وابن إسحاق وابن عقبة يسميانه أوساً والواقدي يقول أن أنساً هذا مات في خلافة عثمان‏.‏وأبو شيخ ابن أبي بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة ابن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار وحرام وسلين ابنا ملحان بن خالد بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار واسم ملحان مالك وهما أخوا أم سليم أم أنس بن مالك وأخوا أم حرام امرأة عبادة بن الصامت ومالك وسفيان ابنا ثابت من الأنصار من بني النبيت وذلك مما انفرد به محمد بن عمر الواقدي لم يوجد ذكر مالك وسفيان في شهداء بئر معونة عن غير محمد بن عمر وعروة بن اسما بن الصلت من بني عمرو بن عوف من حلفائهم وقطبة بن عبد عمرو بن مسعود بن كعب بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار والمنذر بن عمرو بن خنيس بن لوذان بن عبدود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج بن ساعدة وهو أميرهم ومعاذ ابن ماعص بن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق وأخوه عائذ وغير الواقدي يقول جرح معاذ ببدر ومات منه بالمدينة وقيل في عائذ مات باليمامة ومسعود بن سعد ابن قيس بن خلدة بن عامر بن زريق عند الواقدي وأما ابن القداح فقال مات بخيبر وخالد بن ثابت بن النعمان بن الحارث بن عبد رزاح بن ظفر وقيل بل قتل خالد بن ثابت بمؤتة وسفيان بن حاطب بن أمية بن رافع بن سويد بن حرام بن الهيثم بن ظفر وسعد ابن عمرو بن ثقف واسمه كعب بن مالك بن مبذول وابنه الطفيل وابن أخيه سهل بن عامر بن سعد بن عمرو بن ثقف وعبد الله بن قيس بن صرمة بن أبي أنس بن صرمة بن مالك بن عدي بن النجار ونافع رحم الله نافع بن بديل رحمة المبتغي ثواب الجهاد صابراً صادق اللقاء إذا ما أكثر القوم قال قول السداد ذكر هؤلاء المستشهدين أبو جعفر محمد بن جرير الطبري في كتابه ذيل المذيل من رواية ابن عبد البر عن أبي عمر أحمد بن محمد بن الجسور عن أبي بكر أحمد بن الفضل ابن العباس الخفاف عنه ومن أصل أبي عمر بن عبد البر نقلت وعند ابن سعد فيهم الضحاك بن عبد عمرو بن مسعود بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار بن النجار وذكر ابن القداح فيهم عمرو بن معبد بن الأزعر بن زيد بن العطاف بن ضبيعة من بني عمرو بن عوف واسمه عند ابن إسحاق عمرو وهو عند ابن القداح عمير وذكر ابن الكلبي خالد بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن ابن النجار في شهداء بئر معونة وذكر أبو عمر النمري في الاستيعاب سهيل بن عامر ابن سعد فيهم وأظنه سهل بن عامر الذي ذكرناه على أنه ذكر ذلك في ترجمتين إحداهما في باب سهل والأخرى في باب سهيل والمختلف في قتله في هذه الواقعة مختلف في حضوره فأرباب المغازي متفقون على أن الكل قتلوا إلا عمرو بن أمية الضمري وكعب بن زيد بن قيس بن مالك بن كعب بن عبد الأشهل بن حارثة بن دينار فإنه جرح يوم بئر معونة ومات بالخندق‏.‏

وقال ابن سعد لما أحيط بهم قالوا اللهم إنا لا نجد من يبلغ رسولك منا السلام غيرك فأقرئه منا السلام فأخبره جبريل عليه السلام بذلك فقال ‏"‏ وعليهم السلام ‏"‏ وقال فقد عمرو بن أمية عامر بن فهيرة من بين القتلى فسأل عنه عامر بن الطفيل فقال قتله رجل من بني كلاب يقال له جبار بن سلمى فلما قتله قال فزت والله ورفع إلى السماء فأسلم جبار بن سلمى لما رأى من قلت عامر بن فهيرة ورفعه وقال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ‏"‏ إن الملائكة وارت جثته وأنزل عليين ‏"‏‏.‏

وروينا عن ابن سعد قال أنا الفضل بن دكين فثنا سفيان بن عيينة عن عاصم قال سمعت أنس بن مالك قال ما رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة‏.‏

وروينا من طريق مسلم قال حدثني يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال دعا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم على الذين قتلوا أصحاب بئر معونة ثلاثين صباحاً يدعو على رعل ولحيان وعصية عصت الله ورسوله‏.‏

قال أنس أنزل الله في الذين قتلوا ببئر معونة قرآناً قرأناه ثم نسخ بعد ‏"‏ أن بلغوا قومنا أن قد لقينا ربنا فرضي عنا ورضينا عنه ‏"‏ كذا وقع في هذه الرواية وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القراء يوم بئر معونة وليس كذلك وإنما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم‏.‏

وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع وإنما أتى الخبر إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عنهم كلهم في وقت واحد فدعا على الذين أصابوا أصحابه في